فخر الدين الرازي

77

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول : سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إما في الدنيا إن اقتضاه التقدير ، وإما في الآخرة وهي أولى وأفضل . والمرتبة الرابعة : أن يقول : إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ فنحن لا نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الأموال والفوز بالمناصب في الدنيا ، وإنما المراد إما اكتساب سعادات الآخرة . وإما الاستغراق في العبودية على ما دل لفظ الآية عليه فإنه قال : إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ولم يقل : إنا إلى ثواب اللّه راغبون . ونقل أن عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون اللّه تعالى فقال : ما الذي يحملكم عليه ؟ قالوا : الخوف من عقاب اللّه ، فقال : أصبتم ثم مر على قوم آخرين يذكرون اللّه ، فقال : ما الذي يحملكم عليه ، فقالوا : الرغبة في الثواب ، فقال : أصبتم ، ثم مر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا : لا نذكره للخوف من العقاب ، ولا للرغبة في الثواب ، بل لإظهار ذلة العبودية ، وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته ، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته . فقال : أنتم المحقون المحققون . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 60 ] إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 ) اعلم أن المنافقين لما لمزوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الصدقات ، بين لهم أن مصرف الصدقات هؤلاء ، ولا تعلق لي بها ، ولا آخذ لنفسي نصيبا منها ، فلم يبق لهم طعن في الرسول بسبب أخذ الصدقات . وهاهنا مقامات : المقام الأول : بيان الحكمة في أخذ القليل من أموال الأغنياء ، وصرفها إلى المحتاجين من الناس . والمقام الثاني : بيان حال هؤلاء الأصناف الثمانية المذكورين في هذه الآية . أما المقام الأول : فنقول : الحكمة في إيجاب الزكاة أمور ، بعضها مصالح عائدة إلى معطى الزكاة . وبعضها عائدة إلى آخذ الزكاة . أما القسم الأول : فهو أمور : الأول : أن المال محبوب بالطبع ، والسبب فيه أن القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها ، ولعينها لا لغيرها لأنه لا يمكن أن يقال : إن كل شيء فهو محبوب لمعنى آخر وإلا لزم ، إما التسلسل وإما الدور ، وهما محالان ، فوجب الانتهاء في الأشياء المحبوبة إلى ما يكون محبوبا لذاته . والكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته فلما كانت القدرة صفة كمال ، وصفة الكمال محبوبة لذاتها ، كانت القدرة محبوبة لذاتها . والمال سبب لحصول تلك القدرة ، ولكمالها في حق البشر فكان أقوى أسباب القدرة في حق البشر هو المال ، والذي يتوقف عليه المحبوب فهو محبوب ، فكان المال محبوبا ، فهذا هو السبب في كونه محبوبا إلا أن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب اللّه وعن التأهب للآخرة فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من يده ، ليصير ذلك الإخراج كسرا من شدة الميل إلى المال ، ومنعا من انصراف النفس بالكلية إليها وتنبيها لها على أن سعادة الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال وإنما تحصل / بإنفاق المال في طلب مرضاة اللّه تعالى فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب ، فاللّه سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة . وهو المراد من قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] أي تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا .